الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

94

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

والذي يؤيد الرأي الثاني هو ذكر ( الأجر المضاعف ) والذي ورد في نهاية الآية والمقصود به جزاء الإيمان بالأنبياء السابقين ، وجزاء الإيمان برسول الإسلام . إلا أن هذا التفسير إضافة إلى أنه لا يتناسب مع الآية اللاحقة - كما سنوضح - فإنه كذلك لا ينسجم مع سبب نزول الآية وطبيعة الإطلاق الذي ورد فيها بقوله : يا أيها الذين آمنوا . وبناء على هذا فلابد من تبني الرأي القائل بأن المقصود بالمخاطب هم جميع المؤمنين الذين قبلوا - بالظاهر - دعوة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ولكنهم لم يؤمنوا بها الإيمان الراسخ الذي يضئ أعماق النفوس ويتجسد في أعمالهم وممارساتهم . وتكملة للآية الكريمة يشير القرآن الكريم إلى ثلاث نعم عظيمة تحصل في ظل الإيمان العميق والتقوى حيث يقول تعالى : يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم . " كفل " على وزن ( طفل ) بمعنى الحصة التي توفر للإنسان حاجته ، ويقال للضامن " كفيل " أيضا بهذا اللحاظ ، حيث يكفل الطرف المقابل ويضمنه بنفسه ( 1 ) . والمقصود من هاتين الحصتين أو النصيبين هو ما جاء في قوله تعالى : ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة . واحتمل أيضا أن هذين النصيبين يمكن أن يكون أحدهما الإيمان برسول الإسلام ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والآخر الإيمان بالأنبياء السابقين ، لأن كل مسلم ملزم بموجب

--> 1 - يعتقد البعض أن هذا المصطلح مأخوذ من ( كفل ) على وزن " عسل " والمقصود به هو ما يضعونه على كفل - القسم الأخير من الظهر - الحيوانات كي لا يسقط الراكب ، ولذلك فإنه يقال لكل شئ يسبب الحفظ ( كفل ) ، ومن هنا أطلق على الضامن اسم " الكفيل " بسبب هذا المعنى . ( أبو الفتوح الرازي نهاية الآية مورد البحث ) . ويستفاد من الراغب أن لهذا المصطلح معنيين : الأول هو المعنى أعلاه ، والمعنى الثاني يطلق على الشئ الردئ الذي لا قيمة له ، والتشبيه بكفل الحيوانات يكون بلحاظ أن كل شخص يركب على كفلها فاحتمال سقوطه وارد ( يرجى ملاحظة ذلك ) .